خليل الصفدي
9
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
يا قوم إنّ الدّواداريّ متّبع * في فضله أنبياء اللّه مجتهد كأنّه دانيال في كرامته * ذلّت له الأسد حتى طبّه أسد وكان الملك المؤيّد صاحب حماة يحبّه ويقرّبه ، وسمعت أنّه أوصى له بشيء من كتبه لما مات رحمة اللّه تعالى ؛ وأدّى عليه الشهادة في صفد بأنّه أسلم ثمّ تهوّد ، وتشطّرت البيّنة عليه وبقي الأمر معزوفا بشهادة آخر ، وتعصّب عليه أمير في صفد ، وحضر عند الحاكم ؛ وكان الشيخ نجم الدين الصفديّ الخطيب يحبّه ، وإذا جاء إلى صفد يقيم عنده ، فقال له : يا حكيم ، المصلحة أن تتقدّم بحفظ الصحّة ! يعني أنّه يسلم . فنفر فيه بغيظ وقال : اعمل أنت خطابتك ودع عنك هذا ! وقام الأمير عليه ، فقال له : إن كنت ما تدخل الجنّة إلّا بأنّك تستسلمني فهذا بعيد منك ! ووضع في حبس القلعة وأقام مدّة ولم ينكسر ولا خضع لأحد قطّ . ثم إني رأيته بحلب ودمشق وحماة والقاهرة ، ذكره صاحب حماة للأمير عزّ الدين فأحضر إليه على البريد من حماة ليعالج ما به من الفالج ، وذلك في سنة سبع وعشرين وسبعمائة وهو آخر عهدي به ، ولم أر من يعرف الفراسة مثله بعد الشيخ شمس الدين « 15 » ابن أبي طالب المذكور في المحمّدين ، بل ربّما كان هو أدقّ نظرا وأذكى فيها . كان يوما هو والخطيب نجم الدين على باب الجامع وحضر إليه شخص ، فقال له الخطيب قبل وصول ذلك الشخص : يا حكيم ، أيش فراستك في هذا ؟ فأخذ يتأمّله وقال له : أنت راجل قدّام الوالي ؟ قال : لا . قال : ولا قدّام القاضي ؟ قال : لا . قال : ولا قدّام المحتسب ؟ قال : لا . قال : ولا تعاني شيئا من الصيد ؟ قال : لا ، ولكنّي أرمي البندق . فقال : بس يد سيدي الشيخ ! فقلنا له : كيف قلت هذا ؟ فقال : تفرّست فيه أن يكون شريرا فسألته عمّا سألته فأنكرني ، فقلت : لا
--> ( 15 ) الشيخ شمس الدين : انظر ج 3 رقم 1130 .